كلمة السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة افتتاح الدورة التكوينية حول: “الرقابة القضائية على الصفقات العمومية والقرارات الإدارية”
كلمة السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة افتتاح الدورة التكوينية حول: “الرقابة القضائية على الصفقات العمومية والقرارات الإدارية”
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه؛
حضرات السيدات والسادة
يسعدني أن أشارك معكم بمعية السيد وزير التجهيز والماء الأستاذ نزار بركة فعاليات الجلسة الافتتاحية لهذه الدورة التكوينية الهامة المنظمة بتعاون بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة التجهيز والماء، حول موضوع يكتسي أهمية بالغة في منظومة الحكامة العمومية، موضوع الرقابة القضائية على الصفقات العمومية، باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لتدبير المال العام وتنزيل السياسات العمومية والمشاريع التنموية.
وأود في البداية أن أتوجه بجزيل الشكر والتقدير إلى وزارة التجهيز والماء على انخراطها الإيجابي في إنجاح هذه المبادرة العلمية والتكوينية، التي تجسد نموذجًا متقدمًا للتعاون المؤسساتي بين القضاء والإدارة، وتعكس قناعة مشتركة بأهمية تبادل الخبرات وتوحيد الرؤى حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وإن انعقاد هذا اللقاء العلمي يجسد إرادة مشتركة قوامها الانفتاح والحوار وتبادل التجارب، إيماناً منا بأن مواجهة التحديات التي تطرحها التحولات المتسارعة التي يشهدها مجال التدبير العمومي تقتضي تعميق المعرفة القانونية والعملية، وتطوير آليات التعاون والتنسيق بين مختلف الفاعلين المعنيين بخدمة المرفق العام.
كما يعكس هذا اللقاء وعياً متزايداً بأهمية بناء فضاءات للتفكير المشترك وتبادل الخبرات حول القضايا والإشكالات التي تفرزها الممارسة العملية، بما يسهم في تجويد الأداء المؤسسي، وتعزيز المشروعية، وترسيخ مقومات الحكامة الجيدة، خدمةً للصالح العام وتنفيذاً للأوراش التنموية التي تشهدها بلادنا تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المشاركين فيها، وما تمثله من فرصة لالتقاء الخبرة القضائية والخبرة الإدارية حول موضوع يكتسي راهنية خاصة، ويتقاطع مع عدد من الرهانات المرتبطة بجودة التدبير العمومي، وفعالية المرفق العام، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
حضرات السيدات والسادة؛
إذا كانت الصفقات العمومية قد شكلت، لسنوات طويلة، موضوعاً من موضوعات القانون الإداري والعقود الإدارية، فإن التطورات التي عرفتها الدولة الحديثة أضفت عليها أبعاداً تتجاوز نطاقها القانوني التقليدي، لتجعل منها إحدى الآليات الاستراتيجية لتنزيل السياسات العمومية وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالصفقة العمومية هي الأداة التي تنتقل من خلالها البرامج والمخططات العمومية من مستوى التصور والتخطيط إلى مستوى الإنجاز والتنفيذ. وعن طريقها يتم تشييد البنيات التحتية، وتطوير شبكات النقل والتجهيزات الأساسية، وإنجاز المشاريع المهيكلة، وتحسين جودة الخدمات العمومية المقدمة للمواطنين.
ومن ثَمَّ، فإن الحديث عن الصفقات العمومية لم يعد يقتصر على مناقشة قواعد الإبرام أو التنفيذ أو إنهاء العلاقة التعاقدية، وإنما أصبح يرتبط برهانات أوسع تتصل بفعالية الاستثمار العمومي، وجودة التدبير، وحسن توظيف الموارد المالية، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ولذلك تحظى منظومة الصفقات العمومية بمكانة خاصة ضمن السياسات العمومية، باعتبارها إحدى الآليات الرئيسية التي تعتمدها الدولة لتنزيل الأوراش التنموية الكبرى، وتحقيق التنمية الترابية المتوازنة، والاستجابة للحاجيات المتزايدة للمواطنين في مختلف المجالات.
وكلما ارتفعت جودة الإطار القانوني والمؤسساتي المؤطر للصفقات العمومية، وتعززت مقومات الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص داخلها، ازدادت قدرتها على تحقيق الأهداف المتوخاة منها، سواء من حيث النجاعة الاقتصادية، أو من حيث جودة الخدمات والمشاريع المنجزة، أو من حيث تعزيز الثقة في العمل العمومي.
ولعل ما يميز هذا المجال أنه يجسد بصورة عملية التلازم القائم بين متطلبات التنمية ومقتضيات المشروعية؛ فنجاح المشاريع العمومية لا يقاس فقط بسرعة إنجازها أو بحجم الاستثمارات المرصودة لها، وإنما يقاس أيضاً بمدى احترام الضوابط القانونية والمؤسساتية المؤطرة لها، وبقدرتها على تحقيق المصلحة العامة في إطار من الشفافية والحكامة الجيدة وحسن تدبير المال العام.
حضرات السيدات والسادة؛
إن الرهانات التي تثيرها الصفقات العمومية اليوم
لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئت تؤكد على ضرورة الارتقاء بجودة التدبير العمومي، وتعزيز فعالية الإدارة، وترسيخ مقومات الحكامة الجيدة في مختلف المرافق والمؤسسات العمومية.
وفي هذا الإطار، شكلت الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول دعم الأخلاقيات بالمرفق العام سنة 1999 محطة مرجعية أساسية في ترسيخ مفهوم جديد للعمل الإداري، يقوم على خدمة المواطن وتحقيق النجاعة في الأداء وتحسين فعالية التدبير. وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بهذه المناسبة، أن “هدف الإجراءات العمومية هو التسهيل والتيسير وليس التعقيد والتعسير”، وهي رؤية ما تزال تحتفظ بكامل راهنيتها، بالنظر إلى ما تفرضه المشاريع العمومية من متطلبات السرعة والفعالية وجودة الإنجاز، في إطار من المشروعية والشفافية وحسن تدبير الموارد العمومية.
كما أن هذا التوجه يجد امتداده في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المؤتمر الدولي الثاني للعدالة المنعقد بمراكش سنة 2019، والتي أبرز فيها جلالة الملك الدور المحوري للعدالة في دعم التنمية وتعزيز الثقة في المؤسسات، مؤكداً حفظه الله أن العدالة تعد من المفاتيح المهمة في مجال تحسين مناخ الاستثمار وتشجيع المبادرة الحرة وحماية المقاولة.
ومن ثم، فإن الرهان المطروح اليوم لا يتمثل فقط في ضمان مطابقة الأعمال الإدارية لأحكام القانون، وإنما أيضاً في الإسهام في بناء إدارة أكثر فعالية، ومرفق عمومي أكثر جودة، وبيئة قانونية وقضائية أكثر استقراراً وثقة، بما يمكن من تحقيق التوازن المنشود بين متطلبات التنمية ومقتضيات المشروعية.
حضرات السيدات والسادة؛
إذا كانت الصفقات العمومية تمثل إحدى الأدوات الرئيسية لتنزيل السياسات العمومية وتحقيق أهداف التنمية، فإن ضمان سلامة توظيفها ونجاعة تدبيرها يظل رهيناً بوجود منظومة قانونية وقضائية قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل الإداري ومقتضيات المشروعية.
ومن هنا تبرز المكانة الخاصة التي يحتلها القضاء الإداري داخل دولة القانون والمؤسسات.
فالقضاء الإداري لم يعد يضطلع بدور يقتصر على الفصل في المنازعات المعروضة عليه بعد نشوئها فقط، وإنما أصبح، من خلال ما راكمه من اجتهادات ومبادئ قضائية، فاعلاً مؤسساتياً يسهم في تأطير العمل الإداري وترشيده، وفي ترسيخ الحكامة القانونية للقرار العمومي، بما يضمن انسجامه مع أحكام القانون وتحقيقه للغايات التي شُرِّع من أجلها.
لقد ارتبط القضاء الإداري، منذ نشأته، بحماية مبدأ المشروعية باعتباره أحد الأسس الجوهرية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. غير أن تطور وظائف الإدارة واتساع مجالات تدخلها وتعقد المهام الملقاة على عاتقها، أفرز بدوره تطوراً موازياً في وظيفة القضاء الإداري، الذي أصبح مطالباً ليس فقط بحماية الحقوق والحريات وضمان احترام القانون، وإنما أيضاً بمواكبة التحولات التي يعرفها العمل العمومي، من خلال إيجاد الحلول القانونية الكفيلة بتحقيق التوازن بين متطلبات الفعالية الإدارية وضمانات المشروعية.
وتتجلى أهمية هذا الدور بصفة خاصة في مجال الصفقات العمومية، حيث يلتقي منطق السلطة بمنطق القانون، ومتطلبات التنمية بمقتضيات حماية الحقوق، وضرورة سرعة الإنجاز بواجب احترام قواعد المنافسة والشفافية والمساواة.
وفي هذا الإطار، أسهم الاجتهاد القضائي الإداري، عبر مختلف المراحل التي عرفها تطوره، في بلورة مجموعة من المبادئ والقواعد التي لم يقتصر أثرها على حسم المنازعات المعروضة على القضاء، بل امتد إلى توجيه الممارسة الإدارية نفسها، وتوضيح الحدود القانونية لممارسة السلطة التقديرية، وتحديد الضوابط الواجب مراعاتها عند اتخاذ القرارات أو تدبير العلاقات التعاقدية للإدارة.
ولعل إحدى أهم الوظائف التي يضطلع بها القضاء الإداري اليوم تتمثل في دوره الوقائي. فالقيمة الحقيقية للاجتهاد القضائي لا تقاس فقط بما يوفره من حلول للنزاعات القائمة، وإنما أيضاً بقدرته على استباق النزاع والحد من أسبابه من خلال إرساء قواعد واضحة ومستقرة تمكن مختلف الفاعلين من استشراف النتائج القانونية المترتبة على تصرفاتهم، وتساعد الإدارة على بناء قراراتها وممارساتها في إطار من الوضوح واليقين القانوني.
ومن هذا المنظور، فإن الرقابة القضائية على الصفقات العمومية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها رقابة تعيق المبادرة أو تحد من فعالية العمل الإداري، وإنما باعتبارها ضمانة أساسية لترسيخ الثقة في المؤسسات، وحماية المال العام، وتحقيق التوازن بين الحقوق والالتزامات، بما يكفل استدامة المشاريع العمومية ويعزز جودة تدبيرها.
كما أن ما راكمه القضاء الإداري المغربي، وفي مقدمته محكمة النقض، من اجتهادات رصينة في هذا المجال، أسهم في بناء منظومة قضائية متطورة تراعي خصوصيات العمل الإداري وتستجيب لمتطلبات دولة القانون، وهو ما جعل من الاجتهاد القضائي الإداري أحد المكونات الأساسية للأمن القضائي، وأحد العوامل الداعمة لاستقرار المعاملات وتعزيز الثقة في البيئة المؤسساتية ببلادنا.
ومن ثم، فإن تعزيز المعرفة بالاجتهاد القضائي الإداري لم يعد يهم القضاة وحدهم، بل أصبح ضرورة مشتركة بالنسبة لجميع المتدخلين في تدبير الشأن العام، بالنظر لما يتيحه من فهم أدق لحدود الاختصاصات، ولمقتضيات المشروعية، وللسبل الكفيلة بالوقاية من النزاعات وتجويد الأداء الإداري.
إن الأهمية التي يكتسيها الاجتهاد القضائي في مجال الصفقات العمومية لا تتوقف عند حدود ضمان التطبيق السليم للقانون أو حسم المنازعات المعروضة على القضاء، وإنما تمتد إلى الإسهام في ترسيخ أحد المقومات الأساسية للدولة الحديثة، والمتمثل في الأمن القانوني والقضائي.
فكلما كانت القواعد القانونية واضحة، وكانت المبادئ القضائية مستقرة ومنسجمة، تعززت قدرة مختلف الفاعلين على استشراف الآثار القانونية المترتبة على تصرفاتهم، واتسعت دائرة الثقة في المؤسسات، وتوفرت شروط أكبر للاستقرار في المعاملات والعلاقات القانونية.
ومن هذا المنطلق، يشكل استقرار الاجتهاد القضائي وتوحيد تفسير النصوص القانونية في مجال الصفقات العمومية ركيزة أساسية لضمان وضوح الإطار القانوني الذي يشتغل داخله كل من الإدارة والمتعاملين معها. كما يسهم في الحد من حالات عدم اليقين، وفي توجيه الممارسة العملية نحو حلول أكثر انسجاماً مع مبادئ المشروعية والحكامة الجيدة.
ولا يخفى ما لذلك من آثار إيجابية على مناخ الأعمال والاستثمار، باعتبار أن الثقة في المؤسسات لا تبنى فقط على جودة النصوص القانونية، وإنما أيضاً على وضوح كيفية تطبيقها واستقرار تأويلها القضائي. فالمستثمر، شأنه شأن الإدارة، يحتاج إلى بيئة قانونية وقضائية تتسم بالوضوح والانسجام وقابلية التوقع، بما يمكنه من اتخاذ قراراته في إطار من الثقة والاستقرار.
حضرات السيدات والسادة؛
إننا نتطلع إلى أن تشكل أشغال هذه الدورة مناسبة لتبادل التجارب والخبرات، وإغناء النقاش حول الممارسات الفضلى، وتعزيز المعرفة المتبادلة بين مختلف الفاعلين، بما يسهم في تطوير الأداء المؤسسي والارتقاء بجودة العمل الإداري والقضائي في هذا المجال الحيوي.
وإني ليسعدني في الختام أن أجدد الشكر إلى السيد نزار بركة وزير التجهيز والماء، وإلى كافة المسؤولين والأطر بالوزارة، وإلى أصحاب الفضيلة القضاة المشاركين في الدورة وإلى كافة المؤطرين والمشاركين وجميع الساهرين على إعداد هذا اللقاء العلمي. متمنياً لأشغال هذه الدورة كامل التوفيق والنجاح، راجياً أن تفضي إلى نتائج وتوصيات عملية تسهم في تطوير الأداء الإداري والقضائي، وتعزيز مقومات الحكامة الجيدة، وخدمة الصالح العام.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
مراكش 24 | جريدة إلكترونية مغربية مستقلة















