الرئيسية » 24 ساعة » كلمة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة الندوة الدولية حول ” القوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد خارج الإقليم”

كلمة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة الندوة الدولية حول ” القوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد خارج الإقليم”

طنجة 10 يوليوز 2026

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه.

حضرات السيدات والسادة، أيها الحضور الكريم؛
يطيب لي، في مستهل هذه الكلمة، أن أعرب عن بالغ اعتزازي بالمشاركة في افتتاح أشغال هذه الندوة الدولية الهامة، وأن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى السيد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، لأجل الدعوة الكريمة، كما لا يفوتني التنويه بحسن اختيار موضوع هذه الندوة التي تنعقد بمدينة طنجة، بوابة المغرب ورمز انفتاحه التاريخي على محيطه الدولي، وهو اختيار لا يخلو من دلالة رمزية عميقة ما دام موضوع الندوة يتصل بالقانون حين يعبر الحدود، وبالعدالة حين تتجاوز الأقاليم. وإن ما يزيد من قيمة هذه الندوة هو الحضور الوازن لثلة من الخبراء والمتخصصين الدوليين المرموقين إلى جانب الكفاءات الوطنية المتميزة بانخراطها في مختلف البرامج المُعَدَّة لمناهضة الفساد، والتي تتم في إطار التنزيل الأمثل للتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي تشكل مرجعا مؤطراً للسياسات العمومية في مجال تعزيز النزاهة ومحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة، ولا سيما في الشق المتعلق بتمكين الفاعلين العموميين والخواص من آليات الوقاية واليقظة المبكرة ضد مخاطر الفساد، عبر إرساء منظومة يقظة قانونية ومؤسساتية لرصد الثغرات التشريعية والتنظيمية.
حضرات السيدات والسادة؛
لقد شهد العِقدان الأخيران تحولاً نوعياً عميقاً في بنية القانون الجنائي الاقتصادي على الصعيد الدولي، تتمثل في التنامي المتسارع لما اصطلح عليه بقوانين مكافحة الفساد ذات الامتداد العابر للحدود. وهو تحول زعزع مبدأ إقليمية القانون الجنائي بصفته أحد المسلمات الكلاسيكية في الفكر القانوني التي تقيم تلازما شبه مطلق بين سيادة الدولة على ترابها واختصاص محاكمها في زجر الجرائم المرتكبة فوقه.
وإذا كانت مصلحة العدالة وضرورات منع الإفلات من العقاب تدعم هذا التحول القانوني، فإن تطبيقه أصبح يضع على القضاء إشكاليات بالغة الدقة والعمق من بينها إشكالية التوفيق بين متطلبات الحفاظ على السيادة القانونية للدول على أقاليمها ودواعي العدالة الرامية إلى القبول بالتخلي عن الاختصاص لفائدة قضاء دولة أخرى. وهي الإشكالية التي يختزلها بذكاء شعار هذه الندوة، وإشكالية تنازع الاختصاص الإيجابي وتعدد المتابعات عن الأفعال ذاتها أمام قضاء دول مختلفة. وهو موضوع متشعب يثير إشكاليات أخرى تتعلق بجمع الأدلة عبر الحدود، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وضمانات المحاكمة العادلة للأشخاص الذاتيين والاعتباريين على حد سواء.

حضرات السيدات والسادة؛
إذا كان المشرع هو من يضع القانون، والإدارة هي من تسهر على الوقاية والتتبع، فإن القضاء يظل، في نهاية المطاف، الضامن الفعلي لسمو القانون، والحصن الأخير لحماية الحقوق، وصمام الأمان الذي يُحَوِّلُ النصوص إلى عدالة ناجزة ملموسة.
ولأجل ذلك، فإن موضوع هذه الندوة هو موضوع يسائل القضاء ويعني السلطة القضائية، لأنه من صميم مهامها سواء في بعده الوطني أو الدولي، وذلك للدور المحوري الذي يقوم به القضاء في مجال مكافحة الفساد سواء في إطار تطبيق القانون الجنائي، أو في مجال الرقابة على أعمال الإدارة المتعلقة بالصفقات العمومية أو غيرها من المهام، أو في نطاق الدعاوى التجارية. كما أنه من صميم العمل القضائي حين يتعلق الأمر بتقديم المساعدة وإجراءات التعاون القضائي الدولي المخولة للقضاء الأجنبي في مختلف الدعاوى المتعلقة بقضايا الفساد.
ولئن كان المجال لا يتسع لاستعراض الجهود التي بذلتها وتبذلها السلطة القضائية للانخراط في السياسة العامة للدولة الرامة إلى تطبيق اتفاقيات مكافحة الفساد، فإن مؤسساتها تُرَكِّزُ على التكوين المستمر لدعم القدرات لترسيخ قيم مكافحة الفساد لدى القضاة وتحسيسهم بدور القضاء في تنظيف الحياة العامة من الممارسات الماسة بقيم الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، والتركيز على حماية الحقوق والحريات واحترام الالتزامات والواجبات.
كما يتم التركيز على نشر وتعميم الاجتهاد القضائي من أجل تحقيق الأمن القضائي ودعم استقرار المعاملات.
كما تركز السلطة القضائية جهودها في هذه المرحلة على تحقيق النجاعة القضائية عن طريق شفافية الاجراءات وسهولة المساطر والبت في النزاعات في آجال معقولة في احترام تام لاستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
وتولي المؤسسات القضائية عناية خاصة لتفعيل آليات التعاون القضائي الدولي بما يخدم مبدأ منع الإفلات من العقاب ويسمح بالوصول إلى الأهداف المنشودة من المعاهدات الدولية، ومن بينها اتفاقية مكافحة الفساد.
حضرات السيدات والسادة،
إن هذه الأدوار ليست مجرد تصورات نظرية، بل إنها تجد ترجمتها الملموسة في حصيلة عمل الهيئات القضائية المتخصصة. ودون الخوض في التفاصيل ودون حاجة إلى استحضار الاحصائيات المتعلقة بالأداء القضائي في زجر جرائم الرشوة والفساد المالي وغيرها من المجالات المرتبطة بمحاربة الفساد والتي يتم نشرها سنوياً في تقارير مؤسسات السلطة القضائية. سأكتفي بالاستدلال ببعض المؤشرات الدالة، على اعتبار أن قضايا غسل الأموال والجرائم المالية تشكل في كثير من الأحيان، أحد أبرز أوجه الفساد ذي الامتداد العبر إقليمي وقناته المفضلة لتدوير عائداته.
فقد أصدرت أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف الأربع المختصة، خلال سنة 2025 ما مجموعه 449 مقررا قضائيا تضمنت غرامات ومصادرات وتعويضات مدنية لفائدة الدولة والمؤسسات المتضررة ناهزت مليارات الدراهم.
أما في قضايا غسل الأموال، فقد أصدرت المحاكم المختصة خلال السنة ذاتها ما يزيد عن 720 مقررا قضائيا في مواجهة أزيد من 1496 متهما وبغرامات ابتدائية لا يقل مجموعها عن 200 مليون درهم، كل ذلك بمتوسط أمد بت في الملفات لا يتجاوز 110 أيام، في احترام ملموس للآجال الاسترشادية المعتمدة.
فهذه كلها مؤشرات تعكس، في تقديري، نجاعة متنامية في تصريف هذا الصنف من القضايا، وقدرة متزايدة للقضاء المغربي على استهداف العائدات الإجرامية في عمقها المالي، إعمالا للقاعدة الذهبية في مكافحة الجريمة المنظمة: تجريد الجريمة من عائداتها هو أنجع سبيل لتجفيف منابعها.
حضرات السيدات والسادة؛
لئن كان القضاء المغربي يساهم إلى جانب السلطات والقطاعات الأخرى المعنية بمحاربة الفساد في حماية الاقتصاد الوطني داخلياً، والحرص على نظافة المقاولة المغربية داخل حدود إقليم البلاد. كما أن صلاحياته تطال كافة الأشخاص الذاتية أو المعنوية الحاملة للجنسية المغربية في حالة ارتكاب جرائم الفساد خارج الحدود المغربية، فإننا نتابع باهتمام كبير تطور التشريع والعمل القضائي الأجنبي في هذا المجال كالقانون الأمريكي FCPA، وقانون سابان الفرنسي والتجربة البريطانية، ونحاول أن نستخلص العبر من النتائج المحصل عليها من تطبيق هذه القوانين ومدى نجاعة الآليات التي استحدثت بمقتضاها. ولذلك نثمن مشاركتنا في هذه الندوة ونتطلع إلى أن توفر لنا بعض الأجوبة لأسئلة عالقة وتتيح لنا الاطلاع على الممارسات القضائية الدولية الناجحة. وإنْ كنَّا نؤمن أن جوهر هذه التجارب ليس في استنساخها، وإنما في استيعاب فلسفتها. فمكافحة الفساد خارج الإقليم تقتضي من المقاولة الوطنية، وخاصة تلك التي تشتغل في الأسواق الدولية، أن تنتقل من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الامتثال الوقائي. وهذا يعني خرائط مخاطر، ومدونات سلوك، وتكوين العاملين، وتدقيق الوسطاء، والتحقق من المستفيدين الحقيقيين، وقنوات تبليغ آمنة، وتوثيق القرارات التجارية الحساسة. فالامتثال لم يعد ترفا إداريا، بل أصبح شرطا للمنافسة وحماية السمعة واستدامة النشاط.
حضرات السيدات والسادة؛
في ختام كلمتي، أجدد الشكر والتقدير للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها على تنظيم هذا الموعد العلمي الرفيع، ولجميع المشاركين، على تكبدهم عناء الحضور والمساهمة، مؤكداً انخراط المجلس الأعلى للسلطة القضائية التام في كل مبادرة تروم ترسيخ دولة الحق والقانون، وتحصين القضاء الوطني، وصون كرامة المواطن وثقته في مؤسسات بلاده.
وأسأل الله العلي القدير أن يكلل أشغال هذه الندوة بالنجاح والتوفيق، وأن يسدد خطانا جميعا لما فيه خير هذا الوطن العزيز، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته