منظمة الصحة العالمية في “مهب الريح”: إنسحاب ترامب يُخَلفُ فراغا ماليا في مواجهة الأمراض المعدية عبر العالم
جنيف – وكالات الأنباء
في مشهدٍ لخص حقبة جديدة من الاضطرابات الدولية، أُنزل العلم الأمريكي من أمام مقر منظمة الصحة العالمية في جنيف في 22 يناير 2026، إيذانًا بالانسحاب الرسمي والكامل للولايات المتحدة من المنظمة. هذا القرار، الذي اتخذه الرئيس دونالد ترامب في اليوم الأول لولايته الثانية، لم يكن مجرد خطوة سياسية، بل زلزال مالي وضع برامج مكافحة الأمراض المعدية حول العالم في مواجهة “أزمة خانقة” تهدد حياة الملايين.
و تعد الولايات المتحدة تاريخياً أكبر ممول للمنظمة، حيث كانت تساهم بنحو 15% إلى 20% من ميزانيتها الإجمالية. ومع اكتمال الانسحاب، تواجه المنظمة الآن عجزاً مالياً هائلاً:
- ديون عالقة: غادرت واشنطن تاركة وراءها مستحقات مالية غير مدفوعة تزيد عن 280 مليون دولار (نحو 260 مليون يورو) عن عامي 2024 و2025.
- فجوة الميزانية: كشفت تقارير مسربة من اجتماعات داخلية للمنظمة أن العجز المالي للفترة (2026-2027) وصل إلى 1.9 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 45% من التمويل المطلوب لتشغيل البرامج الأساسية.
- تسريح الموظفين: لمواجهة هذا الشح، أعلنت المنظمة عن خطط لتقليص قوتها العاملة بنسبة 25%، ما يعني فقدان نحو 2300 وظيفة بحلول صيف 2026، ودمج 10 قطاعات فنية في 4 فقط لتقليل التكاليف.
التأثير الأخطر يكمن في تعثر برامج ميدانية كانت تعتمد بشكل شبه كلي على التمويل الأمريكي. ويرى الخبراء أن “الأزمة الخانقة” ستضرب الجبهات التالية:
- شلل الأطفال والملاريا: تواجه برامج استئصال شلل الأطفال في أفريقيا وباكستان خطراً حقيقياً نتيجة فقدان التمويل المباشر، كما يُتوقع تراجع جهود مكافحة الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) في الدول الفقيرة.
- رصد الأوبئة الناشئة: توقفت قنوات الاتصال التقنية بين مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في أمريكا والمنظمة الدولية، مما يعيق تبادل البيانات حول سلالات الأنفلونزا الجديدة أو الفيروسات التنفسية الناشئة، مما يجعل العالم أقل استعداداً للجائحة القادمة.
- اللقاحات: تزامناً مع هذا، جمدت إدارة ترامب تمويلها لتحالف اللقاحات “جافي” (Gavi)، مشترطة إزالة مواد حافظة معينة من اللقاحات، مما يهدد بتعطيل حملات التلقيح العالمية ضد أمراض الأطفال.
و يصف خبراء الصحة العامة، ومنهم لورانس غوستين من جامعة جورج تاون، القرار بأنه “الأكثر تدميراً في التاريخ الحديث”، محذراً من أنه سيقوض قدرة العلماء على تطوير الأدوية واللقاحات لمواجهة التهديدات الجديدة.
من جانبه، حاول المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بث رسائل طمأنة، مشيراً إلى أن انسحاب أمريكا دفع دولاً أخرى لزيادة مساهماتها بنسبة 20% لتعويض جزء من النقص، ومعتبراً أن الأزمة عززت “مرونة المنظمة وقدرتها على التكيف”. ومع ذلك، تؤكد الأرقام أن هذه الزيادات لا تغطي سوى جزء بسيط من الفراغ الذي خلفته القوة العظمى الأولى في العالم.
يبقى العالم اليوم أمام تساؤل مصيري: هل ستتمكن القوى الدولية الأخرى والمؤسسات الخاصة من سد “فجوة ترامب”، أم أننا على أعتاب عصر من الأوبئة العابرة للحدود التي لن تجد من يوقفها؟.
مراكش 24 | جريدة إلكترونية مغربية مستقلة













