الرئيسية » 24 ساعة » بنسالم حميش: “في المغرب .. بل أستغرب”

بنسالم حميش: “في المغرب .. بل أستغرب”

400
بنسالم حميش

خلافا للمثل الغبيِّ السائر: “في المغرب لا تستغرب، علينا بالأحرى أن نقويَ طاقتنا الاستغرابية، أي التعجبية والتساؤلية، وذلك بإزاء ظواهر الاختلالات والمغرّبات التي تكتنف صعدا عديدة من حياتنا ومعاملاتنا، وتخل بواجب المعقولية والترشيد. ومن باب الحق في الاستغراب، أسوق لماما أمثلة ملموسة على أن يكون لها ما بعدها متى تيسر، لذا أحلم برؤية باحثين وفاعلين اجتماعيين يقدمون على إنشاء مرصد تكون مهمته ضبط الإختلالات والمغربات في حياتنا المغربية على مستويات شتى متعالقة.

1/ منها كثرة المجالس التي يزاحم بعضها اختصاصات حكومية، ومنها ما تظل كإطارات فارغة ما إن تنتهي عهدتها؛ ومن ذلك أيضا قطاع السينما الذي أُلحق بدءا بوزارة الأنباء ثم الإتصال، هذا في حين أن مكان الفن السابع الطبيعي هو وزارة الثقافة. وفي نفس السياق أيضا هناك مجلس المستشارين ووزارة الاتصال، وكلاهما يمكن الاستغناء عنهما من دون أي إخلال بسير مؤسسات الدولة، بل إن هذا الاستغناء من شأنه أن يعود بالفضل والفائدة على الميزانية العامة، وأن يعقلن -في حالة مجلس المستشارين- الحياة البرلمانية، علما بأن هذا المجلس يقوم بمجمل أدواره المجلس الاقتصادي والإجتماعي والبيئي. هذا علاوة على أن نظام الغرفتين يقر بأن في حالة تعارضهما حول سن القوانين، فإنه يؤخذ بما ترتئيه غرفة النواب، وهي التي لها وحدها الحق في تقديم ملتمس الرقابة ضد الحكومة وإسقاطها عند اللزوم، مما يحول مجلس المستشارين إل غرفة تسجيل لا غير؛ وهذا ما عاينته من قبل كوزير للثقافة إبان عرضي لمشاريع قوانين، إذ لم يكن ذلك المجلس يلعب في مناقشتها وتبنيها إلا دورا شكليا وهامشيا. وللتذكير فإن الرئيس شارل دوگول كان قد سعى إلى إلغاء السينا في 1969 وإذابته في المجلس الإقتصادي والإجتماعي. ومن شدة حرصه على ذلك عرض الأمر على استفتاء عام. ولما لم يتوفق قدم استقالته من منصبه واعتزل السياسة.

2/ وإذ أُسأل عن حزب العدالة والتنمية المغربي في الحكم، أقول: يـمرّ من حيث مر سابقوه ويمر لاحقوه بعد أن يتلقح ضد معارضته الماضية، وحتى ضد ادعائه إنقاذ البلاد والعباد والنظام من زوابع الربيع العربي وتوابعه. ومن هنا تقلص عدد حقائبه إلى الثلث في حكومة السيد بنكيران الثانية، وخرجت حقائب السيادة والتقنوقراط من دائرة سلطات هذا الرئيس الفعلية، خلافا لما ينص عليه دستور 2011 الجديد؛ وكل هذا وسواه لكي يستيقن ويتشبع هو وآخرون بأنه شتان ما بين الحكومات العابرة الزائلة والدولة العميقة الدائمة. أما كلام الرئيس عن العفاريت والتماسيح كنايةً عن اللوبيات المعارضة المستأسدة، فأرى أن المتكلم كان يتوجب عليه تسميتها ومحاربتها علناً، وإلا فكنايته مجرد صيغة ذرائعية ليوم يفسد فيه الود والقضية.

أما عن شعبية الرجل فإني أنصح قائلا: حذارِ أن تزيد عن حدها فتنقلب إلى ضدها… وأما ما يؤسف له حقا في عهدة حكومته هو أنه لم يفعل شيئا ضد شدة انتشار الحرف اللاتيني في فضاءات المدن ومحلاتها، بحيث بات الحرف العربي فيها يتيما مهانا. ومن جهة أخرى، لما علمت بوفاة محمد بَـها حكيم الحزب وعلبة الرئيس السوداء، كما يقال، حزنت لمجراها المأساوي الغريب. أما وقوف وزيره في العدل والحريات أمام لجنة برلمانية بعينين دامعتين، وهو يذكِّر بوفاة وزيرين سابقين عليه ويقول بجواز التحاقه بهما، إشارة إلى عبء المهمة ومشاقها، فكم تعاطفت معه ودعوت له بالعون والصبر الجميل.

وأما طلب وزير ووزيرة إعفاءهما من مهامهما، وهما من فريق الرئيس، فقد استغربت له بدايةً لكونه من النوادر، ثم أشدت به أيما إشادة، سيما وأن السبب هو رابطة حب جمعتهما. وما زاد في تعاطفي معهما هو ما سميته روائية الحدث ورومانسيته، إذ العاشق أبقى على زواجه من امرأته الأولى التي تلقت الشأن راضيةً مرضية، بل إنها قبلت أداء مسعى خطبة المعشوقة من وليها، فحلَّ لهما القران بعد أن نالت المخطوبة طلاقها من زواجها الأول بمقتضى ما ينص عليه الشرع… هذا وإنه يلزم الدفاع عن الزوجين ضد النمامين والمغتابين، ما دام كل شيء تم بالتراضي وعلى سنة الله ورسوله، وعززت ما ذهبت إليه بكون النبي عليه السلام أوفد ذات يوم أمنا عائشة لتنظر في امرأة يريد خطبتها من قبيلتها كلب (رواه الإمام ابن قيم الجوزية وغيره).

3/ ومن المغربات أيضا هو نفرا من الإنسِ اجتمعوا فدعوا إلى استبدال العربية الفصيحة بالعامية الدارجة في التعليم، كما لو أن قرين هذا الإجراء قائم في بلدان العالم العربي وغيرها، أو أن العامية ليست مشتقة من الفصحى الوسطى أو الحديثة ومتفرعة عنها؛ وتلك دعوة فاسدة علميا وتربويا، يروّج لها زمر من الصحافيين والاشهاريين واللهجويين، مدعومة من طرف لوبيات متنفذة داخليا وخارجيا، فتراهم يخبطون في الأمر خبطَ عشواء، ويهرفون بما لا يعرفون، لا يهمهم في ذلك التاريخ كخزان تجارب وعِبر، ولا منطوقات الدساتير، ولا إعمال مناهج البحث المقارن والمتزن الرصين. ولهذه الأسباب وغيرها، فإنه لمن العجب العجاب أيضا أن يخرج الأستاذ عبد الله العروي مما يسميه مقبعه ليناقش إشهاريا لا ثقافة له، وذلك في برنامج تليفزيوني خصص للموضوع ذاته. وحتى كتاب فرنكفون انساقوا وراء تيار اللامعرفة ذاك للإسهام في الإجهاز على العربية بدعوى أنها لغة “كلاسيكية” (ولا وجود أصلا لهذا اللفظ فيها)، أي ميتة ولغة المهزومين (كما يصرح بعضهم علنا) أو للخلوص إلى القول بأن la darija هي “لغتهم الأم”، مع أن لا أحد منهم يكتب بها، بل لا أحد يحسنها ويستعملها حقا؛ وهذا كله يجهر به هؤلاء وأولئك في المقالات والإعلام السمعي-البصري، كما لو أنه لا توجد دراسات ومعاجم كثيرة (ساهمت في بعضها) تبرهن بالدليل المادي على صلات القرابة والرتق الكثيرة، والمجهولة عموما، بين طبقتي العربية، الفصيحة والدارجة، أو كما لو أن الفرنسيين مثلا في حياتهم اليومية والأسرية يتكلمون لغة موليير وفولتير ومالارمي وسان-جون بيرس، أو ليست لهم لهجاتهم العامية ولغاتهم الإقليمية (الكورسيكية والبروتونية والألزاسية والأوكسيتانية…). فمن في فرنسا مثلا طالب يوما بإحلال عاميتها الدارجة محل لغتها الفصحى، ولو في التعليم الأولي؟ وهل نادى بذلك أحد بعد صدور تقرير عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) في 2013 يخفّض مرتبة فرنسا بمقياس البرنامج العالمي لمكتسبات التلاميذ (PISA)؟ طبعا لا أحد، لأن اللغات الأمهات، أو ما يسمى كذلك تجاوزا، لا تهيئ الأطفال على أكبر تقدير إلا لفهم كلمات الأغاني والأحاجي المحلية دون اللغة المفاهيمية والمجازية المكتوبة المنظمة التي يكون فضاؤها الطبيعي هو المدرسة. أما في مغرب المغربات فقد حصل ذلك وسرى!

4/ كيف لا نستغرب أمام بقاء دوريات حبرا على ورق، كان يوقع عليها وزراء أوّل سابقون ويرسلونها إلى مختلف المرافق والمؤسسات العمومية لإلزامها باستخدام اللغة العربية، تفعيلا لرسميتها المدسترة المواكبة لتاريخ المغرب المستقل وتقديرا لوجودها المكتوب والمنتج في تضاعيف تاريخه المديد. وقد استنكر الأستاذ محمد شفيق هذا الوضع المزري في ما أسماه “التفرنس الكاسح”. وعليه، فإن ترسيم الأمازيغية يمر بالضرورة وبدءا عبر الترسيم الفعلي للعربية، وإلا ظلت هي بدورها حبرا على ورق. وهذا الشرط الإفتتاحي الأكيد هو قطب الرحى في الموضوع، يعلو ولا يعلى عليه. لذا يحسن بالنشطاء الأمازيغ أن يدافعوا عن ذلك الترسيم ويدعوا إلى تفعيله.

وكيف لا أستغرب في موضوع “أكاديمية محمد السادس للغة العربية” التي أقرتها لجنة التربية والتكوين في يونيو 1999، وصودق على إنشائها من طرف الغرفتين ومجالس حكومية ووزارية، وصدر عنها قانون رقم 71.98 وظهير 1.03.113، نشر في الجريدة الرسمية، إلا أنها ما زالت في قاعة الإنتظار أو بين طيات النسيان منذ يوليو 2003، أي تاريخ صدور قانونها التأسيسي المذكور. ويحق د. عبد القادر الفاسي الفهري إذ يعلق: «هل هناك استهتار بإرادة الشعب ودولته أكثر من هذا؟». وحتى الحكومة المنتهية ولايتها، فإنها تركت هذا الأمر معلقا ولم تحرك فيه ساكنا… وللحديث بقية.